cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

إذا عَرَفْتَ هَذا فَكُلُّ ما في العالَمِ مِن مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ وألَمٍ ومَشَقَّةٍ فَهو وإنْ كانَ عَذابًا وألَمًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ حِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ في الحَقِيقَةِ، وتَحْقِيقُهُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ: إنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّكالِيفِ تَطْهِيرُ الأرْواحِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النّارِ صَرْفُ الأشْرارِ إلى أعْمالِ الأبْرارِ، وجَذْبُها مِن دارِ الفِرارِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وأقْرَبُ مِثالٍ لِهَذا البابِ قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ مُوسى كانَ يَبْنِي الحُكْمَ عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ فاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وقَتْلَ الغُلامِ وعِمارَةَ الجِدارِ المائِلِ، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ كانَ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى الحَقائِقِ والأسْرارِ فَقالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٧٩ ٨٢] فَظَهَرَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الحَكِيمَ المُحَقِّقَ هو الَّذِي يَبْنِي أمْرَهُ عَلى الحَقائِقِ لا عَلى الظّاهِرِ، فَإذا رَأيْتَ ما يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ ويَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فاعْلَمْ أنَّ تَحْتَهُ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً، وأنَّ حِكْمَتَهُ ورَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أثَرٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.