Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في البَيْتِ إذْ وقَعَتْ ولْوَلَةٌ في قَلْبِي، وصِرْتُ بِحَيْثُ ما مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ وانْتَهَيْتُ إلى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَوَصَلَ إلى طَرَفِ النِّيلِ، فَرَأيْتُ ضُفْدَعًا واقِفًا عَلى طَرَفٍ الوادِي، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وأخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ ويَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ النِّيلِ، ونَزَلَ العَقْرَبُ مِن ظَهْرِهِ، وأخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأيْتُ شابًّا نائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، ورَأيْتُ أفْعى يَقْصِدُهُ، فَلَمّا قَرُبَتِ الأفْعى مِن ذَلِكَ الشّابِّ وصَلَ العَقْرَبُ إلى الأفْعى، فَوَثَبَ العَقْرَبُ عَلى الأفْعى فَلَدَغَهُ، والأفْعى أيْضًا لَدَغَ العَقْرَبَ، فَماتا مَعًا، وسَلِمَ الإنْسانُ مِنهُما. ويُحْكى أنَّ ولَدَ الغُرابِ كَما يَخْرُجُ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أحْمَرَ، والغُرابُ يَفِرُّ مِنهُ ولا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إنَّ البَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإذا وصَلَتِ البَعُوضُ إلَيْهِ التَقَمَ تِلْكَ البَعُوضَ واغْتَذى بِها، ولا يَزالُ عَلى هَذِهِ الحالِ إلى أنْ يَقْوى ويَنْبُتُ رِيشُهُ ويَخْفى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إلَيْهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جاءَ في أدْعِيَةِ العَرَبِ: يا رَزّاقَ النَّعّابِ في عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عامٌّ، وإحْسانَهُ شامِلٌ، ورَحْمَتَهُ واسِعَةٌ.