cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

المَثّالُ الثّانِي: أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وقَعَتْ في الأرْضِ فَإذا وصَلَتْ نَداوَةُ الأرْضِ إلَيْها انْتَفَخَتْ ولا تَنْشَقُّ مِن شَيْءٍ مِنَ الجَوانِبِ إلّا مِن أعْلاها وأسْفَلِها، مَعَ أنَّ الِانْتِفاخَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ: أمّا الشِّقُّ الأعْلى فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الصّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ وأمّا الشِّقُّ الأسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الجُزْءُ الغائِصُ في الأرْضِ، وهو عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأمّا الجُزْءُ الصّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ ساقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِن ذَلِكَ السّاقِ أغْصانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلى تِلْكَ الأغْصانِ الأنْوارُ أوَّلًا، ثُمَّ الثِّمارُ ثانِيًا، ويَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمارِ أجْزاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَثافَةِ واللَّطافَةِ، وهي القُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الأدْهانُ، وأمّا الجُزْءُ الغائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العُرُوقَ تَنْتَهِي إلى أطْرافِها؛ وتِلْكَ الأطْرافُ تَكُونُ في اللَّطافَةِ كَأنَّها مِياهٌ مُنْعَقِدَةٌ، ومَعَ غايَةِ لَطافَتِها فَإنَّها تَغُوصُ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الخَشِنَةِ، وأوْدَعَ اللَّهُ فِيها قُوًى جاذِبَةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إلى نَفْسِها، والحِكْمَةُ في كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ تَحْصِيلُ ما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِنَ الغِذاءِ والأُدامِ والفَواكِهِ والأشْرِبَةِ والأدْوِيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] الآياتِ. المِثالُ الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ بِحَيْثُ صارَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ مَصالِحِ العِبادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرّاحَةِ والسُّكُونِ، وخَلَقَ النَّهارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعاشِ والحَرَكَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقْرَأْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ - إلى آخِرِ الآيَةِ [النبأ: ٦، ٧]، واعْلَمْ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في عَجائِبِ أحْوالِ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وآثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ، قَضى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأنَّ أسْبابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ودَلائِلَ رَحْمَتِهِ لائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِن بِحارِ أسْرارِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.