Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإمّا لِأجْلِ أنَّكَ تَكُونُ خائِفًا مِن قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الحالاتُ هي الجِهاتُ المُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الكَمالَ الذّاتِيَّ فاحْمَدُونِي فَإنِّي إلَهُ العالَمِينَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وإنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الإحْسانَ فَأنا رَبُّ العالَمِينَ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ في المُسْتَقْبَلِ فَأنا
صفحة ١٨٨
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وإنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأنا مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنها أمْثِلَةً:
المِثالُ الأوَّلُ: لَمّا وقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِن صُلْبِ الأبِ إلى رَحِمِ الأُمِّ فانْظُرْ كَيْفَ أنَّها صارَتْ عَلَقَةً أوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنها أعْضاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ العِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ والأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها نَوْعٌ خاصٌّ مِن أنْواعِ القُوى، فَحَصَلَتِ القُوَّةُ الباصِرَةُ في العَيْنِ، والسّامِعَةُ في الأُذُنِ، والنّاطِقَةُ في اللِّسانِ، فَسُبْحانَ مَن أسْمَعَ بِعَظْمٍ، وبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. واعْلَمْ أنَّ كِتابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الإنْسانِ مَشْهُورٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ.