Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُ الحَمْدَ والمَدْحَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ أوْ لَيْسَ ثابِتًا لِذاتِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وامْتَنَعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ؛ لِأنَّ ما ثَبَتَ لِذاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ في حَقِّهِ تَعالى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ لِلْعِبادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْواضِ والثَّوابِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثابِتًا لَهُ لِذاتِهِ - فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا قَبِيحَ في فِعْلِهِ، ولا جَوْرَ في أقْضِيَتِهِ، ولا ظُلْمَ في أحْكامِهِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَلِكَ، فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِأعْظَمِ المَحامِدِ والمَدائِحِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ لا قَبِيحَ إلّا وهو فِعْلُهُ، ولا جَوْرَ إلّا وهو حُكْمُهُ، ولا عَبَثَ إلّا وهو صُنْعُهُ؛ لِأنَّهُ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ويُؤْلِمُ الحَيَواناتِ مِن غَيْرِ أنْ يُعَوِّضَها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ ؟ وأيْضًا فَذَلِكَ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ الإلَهِيَّةِ إمّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلى العَبْدِ، أوْ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ كَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا.