Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ.
فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: