Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 1:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البابُ الخامِسُ
فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ
الفَصْلُ الأوَّلُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ:
صفحة ١٧٩
”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.