Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 109:1-6
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وكُلُّ هَذا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، فَإنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ولا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإنْ كانَ صَحِيحًا عَلى مُقْتَضى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَكِنَّهُ لا يَتِمُّ جَعْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ اسْمِيَّةٌ تُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ في كُلِّ الأوْقاتِ فَدُخُولُ النَّفْيِ عَلَيْها يَرْفَعُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّوامِ، والثَّباتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، ولَوْ كانَ حَمْلُها عَلى الِاسْتِقْبالِ صَحِيحًا لَلَزِمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فَلا يَتِمُّ ما قِيلَ مِن حَمْلِ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ عَلى الحالِ، وكَما يَنْدَفِعُ هَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ مِنَ العَكْسِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ والثّالِثَةَ والرّابِعَةَ كُلَّها جُمَلٌ اسْمِيَّةٌ مُصَدَّرَةٌ بِالضَّمائِرِ الَّتِي هي المُبْتَدَأُ في كُلِّ واحِدٍ مِنها مُخْبِرٌ عَنْها بِاسْمِ الفاعِلِ العامِلِ فِيما بَعْدَهُ مَنفِيَّةٌ كُلُّها بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو لَفْظُ " لا " في كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَكَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ مَعَ هَذا الِاتِّحادِ بِأنَّ مَعانِيَها في الحالِ والِاسْتِقْبالِ مُخْتَلِفَةٌ.