Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 109:1-6
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولا أنا قَطُّ فِيما سَلَفَ عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنِّي ذَلِكَ.
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، كَذا قِيلَ، وهَذا عَلى قَوْلِ ما قالَ إنَّهُ لا تَكْرارَ في هَذِهِ الآياتِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى لِنَفْيِ العِبادَةِ في المُسْتَقْبَلِ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ " لا " لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ لَنْ تَأْكِيدٌ لِما تَنْفِيهِ " لا " .
قالَ الخَلِيلُ في " لَنْ ": إنَّ أصْلَهُ " لا " فالمَعْنى: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ في المُسْتَقْبَلِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِن عِبادَةِ إلَهِي.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ مَعْبُودِي.
وقِيلَ بِعَكْسِ هَذا، وهو أنَّ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لِلْحالِ، والجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ كَما لَوْ قالَ القائِلُ: أنا ضارِبٌ زَيْدًا، وأنا قاتِلٌ عَمْرًا، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الِاسْتِقْبالُ.
قالَ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ: المَعْنى لا أعْبُدُ السّاعَةَ ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ السّاعَةَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ في المُسْتَقْبَلِ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ.