Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 96:1-19
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَظِيمَةٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ كَرَمِهِ بِأنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ ما لَمْ يَعْلَمُوا ونَقَلَهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، ونَبَّهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا هو، وما دُوِّنَتِ العُلُومُ ولا قُيِّدَتِ الحِكَمُ ولا ضُبِطَتْ أخْبارُ الأوَّلِينَ ومَقالاتُهم ولا كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ إلّا بِالكِتابَةِ، ولَوْلا هي ما اسْتَقامَتْ أُمُورُ الدِّينِ ولا أُمُورُ الدُّنْيا، وسُمِّيَ قَلَمًا لِأنَّهُ يُقَلَّمُ: أيْ يُقْطَعُ.
﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها: أيْ عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ما لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنها، قِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا آدَمُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] وقِيلَ: الإنْسانُ هُنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والأوْلى حَمْلُ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: أنَّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن هَذا الجِنْسِ بِواسِطَةِ القَلَمِ فَقَدْ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ.
وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ وزَجْرٌ لِمَن كَفَرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُغْيانِهِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَعْنى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أنَّهُ يُجاوِزُ الحَدَّ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ.