Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 92:1-21
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.
واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ.
وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا.