Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 81:1-29
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وجَوابُ الجَمِيعِ قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّها تَعْلَمُ ما تَعْلَمُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا الوَقْتِ المُمْتَدِّ، بَلِ المُرادُ عَلِمَتْ ما أحْضَرَتْهُ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ: يَعْنِي ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. ومَعْنى ما أحْضَرَتْ: ما أحْضَرَتْ مِن أعْمالِها، والمُرادُ حُضُورُ صَحائِفِ الأعْمالِ، أوْ حُضُورُ الأعْمالِ نَفْسِها، كَما ورَدَ أنَّ الأعْمالَ تُصَوَّرُ بِصُوَرٍ تَدُلُّ عَلَيْها وتُعْرَفُ بِها، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ المُفِيدُ لِثُبُوتِ العِلْمِ المَذْكُورِ لِفَرْدٍ مِنَ النُّفُوسِ، أوْ لِبَعْضٍ مِنها لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِها مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْإشْعارٍ بِأنَّهُ إذا عَلِمَتْ حِينَئِذٍ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ ما أحْضَرَتْ وجَبَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ إصْلاحُ عَمَلِها مَخافَةَ أنْ تَكُونَ هي تِلْكَ الَّتِي عَلِمَتْ ما أحْضَرَتْ، فَكَيْفَ وكَلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَنْصَحُهُ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ، ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى فَعَلَهُ.