Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 77:1-28
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي الرِّياحُ، وقِيلَ هي المَلائِكَةُ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ، فَعَلى الأوَّلِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالرِّياحِ المُرْسَلَةِ لِما يَأْمُرُها بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقَوْلِهِ: يُرْسِلُ الرِّياحَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى الثّانِي أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالمَلائِكَةِ المُرْسَلَةِ بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وعَلى الثّالِثِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِرُسُلِهِ المُرْسَلَةِ إلى عِبادِهِ لِتَبْلِيغِ شَرائِعِهِ. وانْتِصابُ ( عُرْفًا ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: المُرْسَلاتُ لِأجْلِ العُرْفِ وهو ضِدُّ النُّكْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يُعْدَمْ جَوازِيهِ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِمَعْنى مُتَتابِعَةٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تَقُولُ العَرَبُ: سارَ النّاسُ إلى فُلانٍ عُرْفًا واحِدًا: إذا تَوَجَّهُوا إلَيْهِ، وهم عَلى فُلانٍ كَعُرْفِ الضَّبُعِ: إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: والمُرْسَلاتُ إرْسالًا: أيْ مُتَتابِعَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ والمُرْسَلاتُ بِالعُرْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عُرْفًا بِسُكُونِ الرّاءِ: وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّها، وقِيلَ المُرادُ بِالمُرْسَلاتِ السَّحابُ لِما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ.
﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ وهي الرِّياحُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ.