Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 70:1-18
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ.