Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 57:25-29
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والحَكِيمُ، التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسى بَدَّلَتِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَكانَ مِنهم مُؤْمِنُونَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ فَقِيلَ لِمُلُوكِهِمْ ما نَجِدُ شَيْئًا أشَدَّ مِن شَتْمٍ يَشْتُمُنا هَؤُلاءِ إنَّهم يَقْرَءُونَ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ مَعَ ما يَعِيبُونَنا بِهِ مِن أعْمالِنا في قِراءَتِهِمْ، فادْعُوهم فَلْيَقْرَءُوا كَما نَقْرَأُ ولْيُؤْمِنُوا كَما آمَنّا، فَدَعاهم فَجَمَعَهم وعَرَضَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ، أوْ لِيَتْرُكُوا قِراءَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا ما بَدَّلُوا مِنهُما، فَقالُوا ما تُرِيدُونَ إلى ذَلِكَ ؟ دَعُونا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم: ابْنُوا لَنا أُسْطُوانَةً ثُمَّ ارْفَعُونا إلَيْها، ثُمَّ أعْطُونا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعامَنا وشَرابَنا ولا نَرُدُّ عَلَيْكم، وقالَتْ طائِفَةٌ: دَعُونا نَسِيحُ في الأرْضِ ونَهِيمُ ونَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُ مِنهُ الوُحُوشُ ونَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُ، فَإنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنا في أرْضِكم فاقْتُلُونا، وقالَتْ طائِفَةٌ: ابْنُوا لَنا دُورًا في الفَيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْرُثُ البُقُولَ؛ فَلا نَرُدُّ عَلَيْكم ولا نَمُرُّ بِكم، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ القَبائِلِ إلّا لَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: " رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها " وقالَ الآخَرُونَ مِمَّنْ تَعَبَّدَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ وفَنِيَ مَن فَنِيَ مِنهم قالُوا: نَتَعَبَّدُ كَما تَعَبَّدَ فُلانٌ ونَسِيحُ كَما ساحَ فُلانٌ ونَتَّخِذُ دُورًا كَما اتَّخَذَ فُلانٌ وهم عَلى شِرْكِهِمْ لا عِلْمَ لَهم بِإيمانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ انْحَطَّ صاحِبُ الصَّوْمَعَةِ مِن صَوْمَعَتِهِ وجاءَ السَّيّاحُ مِن سِياحَتِهِ وصاحِبُ الدَّيْرِ مِن دَيْرِهِ، فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ أجْرَيْنِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى ونَصَبِ أنْفُسِهِمْ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِهِمْ " ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " القُرْآنَ واتِّباعَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ .