Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 53:27-42
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وهَذا في الأُمُورِ الَّتِي يُحْتاجُ فِيها إلى العِلْمِ وهي المَسائِلُ العِلْمِيَّةُ، لا فِيما يُكْتَفى فِيهِ بِالظَّنِّ، وهي المَسائِلُ العَمَلِيَّةُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا.
ولا بُدَّ مِن هَذا التَّخْصِيصِ، فَإنَّ دَلالَةَ العُمُومِ والقِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ ظَنِّيَّةٌ، فالعَمَلُ بِها عَمَلٌ بِالظَّنِّ، وقَدْ وجَبَ عَلَيْنا العَمَلُ بِهِ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَكانَتْ أدِلَّةُ وُجُوبِهِ العَمَلَ بِهِ فَهي مُخَصِّصَةٌ لِهَذا العُمُومِ، وما ورَدَ في مَعْناهُ مِنَ الذَّمِّ لِمَن عَمِلَ بِالظَّنِّ والنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِهِ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ أعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا، والمُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا القُرْآنُ، أوْ ذِكْرُ الآخِرَةِ، أوْ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الإيمانُ، والمَعْنى: اتْرُكْ مُجادَلَتَهم فَقَدْ بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ ما أُمِرْتَ بِهِ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ لَمْ يُرِدْ سِواها ولا طَلَبَ غَيْرَها بَلْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَيْها، فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِلْخَيْرِ ولا مُسْتَحِقٍّ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
ثُمَّ صَغَّرَ سُبْحانَهُ شَأْنَهم وحَقَّرَ أمْرَهم فَقالَ: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ إنَّ ذَلِكَ التَّوَلِّيَ وقَصْرَ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا هو مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ لَيْسَ لَهم غَيْرُهُ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى سِواهُ مِن أمْرِ الدِّينِ.