Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 51:38-60
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وجُمْلَةُ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ كَوْنَ خَلْقِهِمْ لِمُجَرَّدِ العِبادَةِ مِمّا يُنَشِّطُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلتَّذْكِيرِ ويُنَشِّطُهم لِلْإجابَةِ.
قِيلَ هَذا خاصٌّ في مَن سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَعْبُدُهُ، فَهو عُمُومٌ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خاصٌّ لِأهْلِ طاعَتِهِ، يَعْنِي مَن أُهِّلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
قالَ: وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، والضَّحّاكِ واخْتِيارُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: والآيَةُ دَخَلَها التَّخْصِيصُ بِالقَطْعِ، لِأنَّ المَجانِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالعِبادَةِ ولا أرادَها مِنهم، وقَدْ قالَ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ومَن خُلِقَ لِجَهَنَّمَ لا يَكُونُ مِمَّنْ خُلِقَ لِلْعِبادَةِ.
فالآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِ " .
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المَعْنى: إلّا لِيَعْرِفُونِي.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْلُقْهم لَما عُرِفَ وُجُودُهُ وتَوْحِيدُهُ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى إلّا لِآمُرَهم وأنْهاهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ.