Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 51:1-23
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما نَصَبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، وصِدْقِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أيْ: دَلائِلُ واضِحَةٌ، وعَلاماتٌ ظاهِرَةٌ مِنَ الجِبالِ، والبَرِّ، والبَحْرِ، والأشْجارِ، والأنْهارِ، والثِّمارِ، وفِيها آثارُ الهَلاكِ لِلْأُمَمِ الكافِرَةِ المُكَذِّبَةِ لِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ ودَعَتْهم إلَيْهِ، وخَصَّ المُوقِنِينَ بِاللَّهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويَتَدَبَّرُونَ فِيهِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ.
﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وفي أنْفُسِكم آياتٌ تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَإنَّهُ خَلَقَهم نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا إلى أنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ صُوَرُهم، وألْوانُهم، وطَبائِعُهم، وألْسِنَتُهم، ثُمَّ نَفْسُ خَلْقِهِمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ مِن لَحْمٍ، ودَمٍ، وعَظْمٍ، وأعْضاءٍ، وحَواسَّ، ومَجارِي، ومَنافِسَ، ومَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أفَلا تَنْظُرُونَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى الخالِقِ الرَّزّاقِ المُتَفَرِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، وأنَّ وعْدَهُ الحَقُّ، وقَوْلَهُ الحَقُّ، وأنَّ ما جاءَتْ إلَيْكم بِهِ رُسُلُهُ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأنْفُسِ الأرْواحُ: أيْ: وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ.