Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 49:9-12
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا يَتَناوَلْ بَعْضُكم بَعْضًا بِظَهْرِ الغَيْبِ بِما يَسُوءُهُ، والغِيبِةُ: أنْ تَذْكُرَ الرَّجُلَ بِما يَكْرَهُهُ، كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أتَدْرُونَ ما الغِيبِةُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ، فَقِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ ؟ فَقالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»، ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ مَثَّلَ سُبْحانَهُ الغِيبِةَ بِأكْلِ المَيْتَةِ؛ لِأنَّ المَيِّتَ لا يَعْلَمُ بِأكْلِ لَحْمِهِ، كَما أنَّ الحَيَّ لا يَعْلَمُ بِغِيبَةِ مَنِ اغْتابَهُ. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَلَحْمِهِ، وأنَّهُ كَما يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِهِ يَحْرُمُ الِاسْتِطالَةُ في عِرْضِهِ، وفي هَذا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الغِيبَةِ والتَّوْبِيخِ لِفاعِلِها والتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ لَحْمَ الإنْسانِ مِمّا تَنْفِرُ عَنْ أكْلِهِ الطِّباعُ الإنْسانِيَّةُ، وتَسْتَكْرِهُهُ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا شَرْعًا فَكَرِهْتُمُوهُ قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلا تَفْعَلُوا، والمَعْنى: فَكَما كَرِهْتُمْ هَذا فاجْتَنِبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غائِبًا. قالَ الرّازِيُّ: الفاءُ في تَقْدِيرِ جَوابِ كَلامٍ.