Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 49:1-8
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ ) التَّقْدِيرُ لِأنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم، أيْ فَتَحْبَطَ، فاللّامُ المُقَدَّرَةُ لامُ الصَّيْرُورَةِ كَذا قالَ، وهَذِهِ العِلَّةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلنَّهْيِ: أيْ نَهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الجَهْرِ خَشْيَةَ أنْ تَحْبَطَ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَحْبَطَ، أوْ عِلَّةً لِلْمَنهِيِّ: أيْ لا تَفْعَلُوا الجَهْرَ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحُبُوطِ، فَكَلامُ الزَّجّاجِ يَنْظُرُ إلى الوَجْهِ الثّانِي لا إلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ عَظِيمٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ المُرادُ ( ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ) يُوجِبُ أنْ يَكْفُرَ الإنْسانُ وهو لا يَعْلَمُ، فَكَما لا يَكُونُ الكافِرُ مُؤْمِنًا إلّا بِاخْتِيارِهِ الإيمانَ عَلى الكُفْرِ، كَذَلِكَ لا يَكُونُ الكافِرُ كافِرًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ.
ثُمَّ رَغَّبَ سُبْحانَهُ في امْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أصْلُ الغَضِّ النَّقْصُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ نَقْصُ الصَّوْتِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ قالَ الفَرّاءُ: أخْلَصَ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى كَما يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بِالنّارِ، فَيَخْرُجُ جَيِّدُهُ مِن رَدِيئِهِ، ويَسْقُطُ خَبِيثُهُ.
وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.