Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 42:29-43
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الطّائِفَةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: أصابَهم بَغْيُ مَن بَغى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ المُنْتَصِرِينَ في مَعْرِضِ المَدْحِ كَما ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لِأنَّ التَّذَلُّلَ لِمَن بَغى لَيْسَ مِن صِفاتِ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ العِزَّةَ حَيْثُ قالَ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالِانْتِصارُ عِنْدَ البَغْيِ فَضِيلَةٌ، كَما أنَّ العَفْوَ عِنْدَ الغَضَبِ فَضِيلَةٌ.
قالَ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ.
ولَكِنَّ هَذا الِانْتِصارَ مَشْرُوطٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وعَدَمِ مُجاوَزَتِهِ كَما بَيَّنَهُ - سُبْحانَهُ - عَقِبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ العَدْلَ في الِانْتِصارِ هو الِاقْتِصارُ عَلى المُساواةِ، وظاهِرُ هَذا العُمُومُ.
وقالَ مُقاتِلٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ دُونَ غَيْرِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ إذا قالَ أخْزاكَ اللَّهُ يَقُولُ أخْزاكَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ، وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ سَيِّئَةً إمّا لِكَوْنِها تَسُوءُ مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ.