Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 39:1-6
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ بِكَوْنِهِ إلَهًا واحِدًا قَهّارًا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن كانَ هَذا الخَلْقُ العَظِيمُ خَلْقَهُ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَصَرُّفِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ التَّكْوِيرُ في اللُّغَةِ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. يُقالُ: كَوَّرَ المَتاعَ: إذا ألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ، فَمَعْنى تَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُهُ، ومَعْنى تَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ: تَغْشِيَتُهُ إيّاهُ حَتّى تَذْهَبَ ظُلْمَتُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] هَكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ أيْ: يُلْقِي هَذا عَلى هَذا، وهَذا عَلى هَذا، وهو مُقارِبٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ في النَّهارِ، وما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ دَخَلَ في اللَّيْلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [ فاطِرٍ: ١٣ والحَدِيدِ: ٦ ] وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا وهَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا.