Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 39:1-6
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ هَذا مُقَرَّرٌ لِما سَبَقَ مِن إبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ لِتَضَمُّنِهُ اسْتِحالَةَ الوَلَدِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ اتِّخاذُ الوَلَدِ حَقِيقَةً ولَمْ يَتَأتَّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يَصْطَفِيَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أيْ: يَخْتارُ مِن جُمْلَةِ خَلْقِهِ ما يَشاءُ أنْ يَصْطَفِيَهُ، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِلْخالِقِ لِعَدَمِ المُجانَسَةِ بَيْنَهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَصْطَفِيَهُ عَبْدًا كَما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاصْطِفاءِ مَكانَ (p-١٢٧٥)الِاتِّخاذِ، فَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَوَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ لَيْسَ هو مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ، بَلْ إنَّما هو مِنَ الِاصْطِفاءِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ، ولِهَذا نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ عَلى الإطْلاقِ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِتَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الصِّفاتِ بَعْدَ تَنَزُّهِهِ بِحَسْبِ الذّاتِ أيْ: هو المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ المُتَوَحِّدُ في ذاتِهِ فَلا مُماثِلَ لَهُ القَهّارُ لِكُلِّ مَخْلُوقاتِهِ، ومَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ في حَقِّهِ. لِأنَّ الوَلَدَ مُماثِلٌ لِوالِدِهِ ولا مُماثِلَ لَهُ - سُبْحانَهُ -، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] .