Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 38:71-81
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - سَألَهُ عَنْ سَبَبِ تَرْكِهِ لِلسُّجُودِ الَّذِي أمَرَهُ بِهِ فَ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: ما صَرَفَكَ وصَدَّكَ عَنِ السُّجُودِ لِما تَوَلَّيْتُ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وأضافَ خَلْقَهُ إلى نَفْسِهِ تَكْرِيمًا لَهُ وتَشْرِيفًا، مَعَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما أضافَ إلى نَفْسِهِ الرُّوحَ، والبَيْتَ، والنّاقَةَ، والمَساجِدَ. قالَ مُجاهِدٌ: اليَدُ هُنا بِمَعْنى التَّأْكِيدِ والصِّلَةِ مَجازًا كَقَوْلِهِ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وقِيلَ: أرادَ بِاليَدِ القُدْرَةَ، يُقالُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدٌ، وما لِي بِهِ يَدانِ أيْ: قُدْرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَحَمَّلْتُ مِن ذَلْفاءَ ما لَيْسَ لِي يَدٌ ولا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ
وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ في اليَدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها لَيْسَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ، بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما صِفَتانِ مِن صِفاتِ ذاتِهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ " لِما خَلَقْتُ " هي المَصْدَرِيَّةُ أوِ المَوْصُولَةُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " لَمّا " بِالتَّشْدِيدِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها ظَرْفٌ بِمَعْنى: حِينَ، كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وقُرِئَ " بِيَدِي " عَلى الإفْرادِ " أسْتَكْبَرْتَ " قَرَأ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ و( أمْ ) مُتَّصِلَةٌ.