Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 38:41-54
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
فَأرْسَلَ طائِفَةً مِنهم إلى زَرْعِهِ، وطائِفَةً إلى أهْلِهِ، وطائِفَةً إلى بَقَرِهِ، وطائِفَةً إلى غَنَمِهِ وقالَ: إنَّهُ لا يُعْتَصَمُ مِنكم إلّا بِالمَعْرُوفِ، فَأتَوْهُ بِالمَصائِبِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَجاءَ صاحِبُ الزَّرْعِ فَقالَ: يا أيُّوبُ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ أرْسَلَ عَلى زَرْعِكَ نارًا فَأحْرَقَتْهُ ؟ ثُمَّ جاءَ صاحِبُ الإبِلِ، فَقالَ، يا أيُّوبُ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ أرْسَلَ إلى إبِلِكَ عَدُوًّا فَذَهَبَ بِها ؟ ثُمَّ جاءَ صاحِبُ البَقَرِ، فَقالَ، يا أيُّوبُ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ أرْسَلَ إلى بَقَرِكَ عَدُوًّا فَذَهَبَ بِها ثُمَّ جاءَهُ صاحِبُ الغَنَمِ فَقالَ: يا أيُّوبُ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ أرْسَلَ عَلى غَنَمِكَ عَدُوًّا فَذَهَبَ بِها ؟ وتَفَرَّدَ هو لِبَنِيهِ فَجَمَعَهم في بَيْتِ أكْبَرِهِمْ، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ إذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأخَذَتْ بِأرْكانِ البَيْتِ فَألْقَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَجاءَ الشَّيْطانُ إلى أيُّوبَ بِصُورَةِ غُلامٍ بِأُذُنَيْهِ قُرْطانِ، فَقالَ: يا أيُّوبُ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ جَمَعَ بَنِيكَ في بَيْتِ أكْبَرِهِمْ، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ إذْ هَبَّتْ عَلَيْهِمْ رِيحٌ فَأخَذَتْ بِأرْكانِ البَيْتِ فَألْقَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَأيْتَهم حِينَ اخْتَلَطَتْ دِماؤُهم ولُحُومُهم بِطَعامِهِمْ وشَرابِهِمْ ؟ فَقالَ لَهُ أيُّوبُ: فَأيْنَ كُنْتَ ؟ قالَ: كُنْتُ مَعَهم، قالَ: فَكَيْفَ انْفَلَتَّ ؟ قالَ: انْفَلَتُّ، قالَ أيُّوبُ: أنْتَ الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ أيُّوبُ: أنا اليَوْمَ كَيَوْمِ ولَدَتْنِي أُمِّي، فَقامَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وقامَ يُصَلِّي، فَرَنَّ إبْلِيسُ رَنَّةً سَمِعَها أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، ثُمَّ عَرَجَ إلى السَّماءِ فَقالَ: أيْ رَبِّ إنَّهُ قَدِ اعْتَصَمَ، فَسَلِّطْنِي عَلَيْهِ فَإنِّي لا أسْتَطِيعُهُ إلّا بِسُلْطانِكَ، قالَ: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى جَسَدِهِ ولَمْ أُسَلِّطْكَ عَلى قَلْبِهِ، فَنَزَلَ فَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمِهِ نَفْخَةً قَرَحَ ما بَيْنَ قَدَمَيْهِ إلى قَرْنِهِ، فَصارَ قُرْحَةً واحِدَةً، وأُلْقِيَ عَلى الرَّمادِ حَتّى بَدا حِجابُ قَلْبِهِ، فَكانَتِ امْرَأتُهُ تَسْعى عَلَيْهِ، حَتّى قالَتْ لَهُ: ألا تَرى ياأيُّوبُ قَدْ نَزَلَ واللَّهِ بِي مِنَ الجَهْدِ والفاقَةِ ما إنْ بِعْتُ قُرُونِي بِرَغِيفٍ فَأطْعَمْتُكَ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَشْفِيَكَ ويُرِيحَكَ قالَ: ويْحَكِ كُنّا في النَّعِيمِ سَبْعِينَ عامًا فاصْبِرِي حَتّى نَكُونَ في الضَّرّاءِ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ ودَعا فَجاءَ جِبْرِيلُ يَوْمًا فَدَعا بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: قُمْ، فَقامَ فَنَحّاهُ عَنْ مَكانِهِ وقالَ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقالَ: اغْتَسِلْ، فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ جاءَ أيْضًا فَقالَ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَقالَ لَهُ: اشْرَبْ مِنها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ وألْبَسَهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنَ الجَنَّةِ، فَتَنَحّى أيُّوبُ فَجَلَسَ في ناحِيَةٍ وجاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقالَتْ: يا عَبْدَ اللَّهِ أيْنَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ هاهُنا ؟ لَعَلَّ