Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 38:26-33
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - إضْرابًا آخَرَ وانْتَقَلَ عَنِ الأوَّلِ إلى ما هو أظْهَرُ اسْتِحالَةً مِنهُ فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ أيْ: بَلْ نَجْعَلُ أتْقِياءَ المُؤْمِنِينَ كَأشْقِياءِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ والمُنْهَمِكِينَ في مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: إنَّ الفُجّارَ هُنا خاصٌّ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتَّقِينَ الصَّحابَةُ، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ ارْتِفاعُ ( كِتابٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لَهُ، و( مُبارَكٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِكِتابٍ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّقْدِيرُ: القُرْآنُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ كَثِيرُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
وقُرِئَ " مُبارَكًا " عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّارِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ( أنْزَلْناهُ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في مَعانِيهِ، لا لِمُجَرَّدِ التِّلاوَةِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ.