Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 36:1-12
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرٌ ولا يُقْرَأُ بِما خالَفَ المُصْحَفَ.
قالَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، التَّقْدِيرُ: إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ وفي أيادِيهِمْ أغْلالًا فَهي إلى الأذْقانِ، فَلَفْظُ ( هي ) كِنايَةٌ عَنِ الأيْدِي لا عَنِ الأعْناقِ، والعَرَبُ تَحْذِفُ مِثْلَ هَذا، ونَظِيرُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وتَقْدِيرُهُ: وسَرابِيلَ تَقِيكُمُ البَرْدَ، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ، لِأنَّ الغُلَّ إذا كانَ في العُنُقِ فَلابُدَّ أنْ يَكُونَ في اليَدِ، ولا سِيَّما وقَدْ قالَ اللَّهُ فَهي إلى الأذْقانِ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الأيْدِي فَهم مُقْمَحُونَ أيْ: رافِعُو رُءُوسِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الإطْراقَ، لِأنَّ مَن غُلَّتْ يَداهُ إلى ذَقْنِهِ ارْتَفَعَ رَأْسُهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ " إنّا جَعَلْنا في أيْدِيهِمْ أغْلالًا " وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ أغْلالًا " كَما رُوِيَ سابِقًا مِن قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أيْ: مَنَعْناهم عَنِ الإيمانِ بِمَوانِعَ فَهم لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، كالمَضْرُوبِ أمامَهُ وخَلْفَهُ بِالأسْدادِ، والسَّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ، ومِن هَذا المَعْنى في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومِنَ الحَوادِثِ لا أبًا لَكَ أنَّنِي ∗∗∗ ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِالأسْدادِ