Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 35:27-35
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ قَسَّمَ - سُبْحانَهُ - هَؤُلاءِ الَّذِي أوْرَثَهم كِتابَهُ واصْطَفاهم مِن عِبادِهِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ فَقالَ: فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قَدِ اسْتَشْكَلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - جَعَلَ هَذا القِسْمَ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ مِن ذَلِكَ المُقَسَّمِ، وهو مَنِ اصْطَفاهم مِنَ العِبادِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ ظالِمًا لِنَفْسِهِ ؟ فَقِيلَ: إنَّ التَّقْسِيمَ هو راجِعٌ إلى العِبادِ أيْ: فَمِن عِبادِنا ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وهو الكافِرُ، ويَكُونُ ضَمِيرُ يَدْخُلُونَها عائِدًا إلى المُقْتَصِدِ والسّابِقِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِ لِنَفْسِهِ هو المُقَصِّرُ في العَمَلِ بِهِ، وهو المُرْجَأُ لِأمْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ ورَثَةِ الكِتابِ مُراعاتُهُ حَقَّ رِعايَتِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ لا يُناسِبُ الِاصْطِفاءَ.
وقِيلَ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ: هو الَّذِي عَمِلَ الصَّغائِرَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وعائِشَةَ، وهَذا هو الرّاجِحُ، لِأنَّ عَمَلَ الصَّغائِرِ لا يُنافِي الِاصْطِفاءَ ولا يَمْنَعُ (p-١٢١٢)مِن دُخُولِ صاحِبِهِ مَعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ إلى آخِرِ ما سَيَأْتِي.