Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 34:15-21
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.