Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 33:69-73
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.