Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 33:56-58
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ الآيَةَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ، وأمّا أذِيَّةُ رَسُولِهِ فَهي كُلُّ ما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، ومَعْنى اللَّعْنَةِ: الطَّرْدُ والإبْعادُ مِن رَحْمَتِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِتَشْمَلَهُمُ اللَّعْنَةُ فِيهِما بِحَيْثُ لا يَبْقى وقْتٌ مِن أوْقاتِ مَحْياهم ومَماتِهِمْ إلّا واللَّعْنَةُ واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ ومُصاحِبَةٌ لَهم ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ اللَّعْنِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ (p-١١٨٣)يَصِيرُونَ بِهِ في الإهانَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ لِما يُفِيدُهُ مَعْنى الإعْدادِ مِن كَوْنِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الذَّمِّ لِمَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهَ ذَكَرَ الأذِيَّةَ لِصالِحِي عِبادِهِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الأذى مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومَعْنى ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِسَبَبٍ فَعَلُوهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الأذِيَّةَ ويَسْتَحِقُّونَها بِهِ، فَأمّا الأذِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِ والمُؤْمِنَةِ بِما كَسَبَهُ مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِ حَدًّا أوْ تَعْزِيرًا أوْ نَحْوَهُما، فَذَلِكَ حَقٌّ أثْبَتَهُ الشَّرْعُ، وأمْرٌ أمَرَنا اللَّهُ بِهِ ونَدَبَنا إلَيْهِ، وهَكَذا إذا وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الِابْتِداءُ بِشَتْمِ لِمُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ أوْ ضُرٍّ، فَإنَّ القَصاصَ مِنَ الفاعِلِ لَيْسَ مِنَ الأذِيَّةِ المُحَرَّمَةِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ما لَمْ يُجاوِزْ ما شَرَعَهُ اللَّهُ.