Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 32:12-22
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ الفَرِيقَ الآخَرَ فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ وعَلى رُسُلِهِ ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ أيْ: مَنزِلُهُمُ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ هو النّارُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ أيْ: إذا أرادُوا الخُرُوجَ مِنها رُدُّوا إلَيْها راغِمِينَ مُكْرَهِينَ، وقِيلَ: إذْ دَفَعَهُمُ اللَّهَبُ إلى أعْلاها رُدُّوا إلى مَواضِعِهِمْ ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ هو خَزَنَةُ جَهَنَّمَ مِنَ المَلائِكَةِ، أوِ القائِلُ لَهم هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وفي هَذا القَوْلِ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ صارُوا في النّارِ مِنَ الإغاظَةِ لَهم ما لا يَخْفى.
﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ وهو عَذابُ الدُّنْيا.
قالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا وأسْقامُها، وقِيلَ: الحُدُودُ، وقِيلَ: القَتْلُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: سُنُونَ الجُوعِ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي بِسَبَبِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتُوبُونَ عَمّا كانُوا فِيهِ.
وفِي هَذا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ العَذابَ الأدْنى هو عَذابُ القَبْرِ.