Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 28:44-57
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ مَدَحَهم - سُبْحانَهُ - بِإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّغْوِ فَقالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تَكَرُّمًا وتَنَزُّهًا وتَأدُّبًا بِآدابِ الشَّرْعِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ١٧٢]، واللَّغْوُ هُنا هو ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الشَّتْمِ لَهم ولِدِينِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ﴿وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ لا يَلْحَقُنا مِن ضَرَرِ كُفْرِكم شَيْءٌ، ولا يَلْحَقُكم مِن نَفْعِ إيمانِنا شَيْءٌ، سَلامٌ عَلَيْكم لَيْسَ المُرادُ بِهَذا السَّلامِ سَلامَ التَّحِيَّةِ، ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ سَلامُ التّارِكَةِ، ومَعْناهُ أمَنَةٌ لَكم مِنّا وسَلامَةٌ لا نُجارِيكم ولا نُجاوِبُكم فِيما أنْتُمْ فِيهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ أيْ: لا نَطْلُبُ صُحْبَتَهم، وقالَ مُقاتِلٌ: لا نُرِيدُ أنْ نَكُونَ مِن أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا نُحِبُّ دِينَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ مِنَ النّاسِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلَيْكَ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيِ: القابِلِينَ لِلْهِدايَةِ المُسْتَعِدِّينَ لَها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في بَراءَةٌ.