Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 27:27-40
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ.
والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ.
﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ.