Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 26:214-227
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وصْفُ الأفّاكِينَ بِأنَّ أكْثَرَهم كاذِبُونَ بَعْدَ ما وُصِفُوا جَمِيعًا بِالإفْكِ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالأفّاكِ الَّذِي يُكْثِرُ الكَذِبَ لا الَّذِي لا يَنْطِقُ إلّا بِالكَذِبِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ أنَّهُ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الشَّياطِينِ، والغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأجْلِهِ هَذا الكَلامُ رَدُّ ما كانَ يَزْعُمُهُ المُشْرِكُونَ مِن كَوْنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن جُمْلَةِ مَن يُلْقِي إلَيْهِ الشَّيْطانُ السَّمْعَ مِنَ الكَهَنَةِ بِبَيانِ أنَّ الأغْلَبَ عَلى الكَهَنَةِ الكَذِبُ، ولَمْ يَظْهَرْ مِن أحْوالِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا الصِّدْقُ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَما زَعَمُوا، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكَهَنَةَ يُعَظِّمُونَ الشَّياطِينَ، وهَذا النَّبِيُّ المُرْسَلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِرِسالَتِهِ إلى النّاسِ يَذُمُّهم ويَلْعَنُهم ويَأْمُرُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهم، ثُمَّ لَمّا كانَ قَدْ قالَ قائِلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شاعِرٌ، بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَ الشُّعَراءِ ومُنافاةَ ما هم عَلَيْهِ لِما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الشُّعَراءَ يَتَّبِعُهم أيْ: يُجارِيهِمْ ويَسْلُكُ مَسْلَكَهم ويَكُونُ مِن جُمْلَتِهِمُ الغاوُونَ أيِ: الضّالُّونَ عَنِ الحَقِّ، والشُّعَراءُ جَمْعُ شاعِرٍ، والغاوُونَ جَمْعُ غاوٍ، وهم ضُلّالُ الجِنِّ والإنْسِ.