Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 26:165-213
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: كانُوا أصْحابَ غَيْضَةٍ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخُوهم شُعَيْبٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِمْ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ كَيْفَ لا تَتَّقُونَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي رَسُولٌ أمِينٌ لا تَعْتَبِرُونَ مِن هَلاكِ مَدْيَنَ وقَدْ أُهْلِكُوا فِيما يَأْتُونَ، وكانَ أصْحابُ الأيْكَةِ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ اسْتَنُّوا بِسُنَّةِ أصْحابِ مَدْيَنَ، فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ: إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ في العاجِلِ مِن أمْوالِكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ يَعْنِي القُرُونَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالمَعاصِي ولا تَهْلَكُوا مِثْلَهم ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ يَعْنِي مِنَ المَخْلُوقِينَ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ يَعْنِي قِطَعًا مِنَ السَّماءِ ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَمُومًا مِن جَهَنَّمَ، فَأطافَ بِهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى أنْضَجَهُمُ الحُرُّ، فَحَمِيَتْ بُيُوتُهم وغَلَتْ مِياهُهم في الآبارِ والعُيُونِ فَخَرَجُوا مِن مَنازِلِهِمْ ومَحَلَّتِهِمْ هارِبِينَ، والسَّمُومُ مَعَهم، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ فَغَشِيَتْهم حَتّى تَقَلْقَلَتْ فِيها جَماجِمُهم، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرَّمْضاءَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ حَتّى تَساقَطَتْ لُحُومُ أرْجُلِهِمْ، ثُمَّ نَشَأتْ لَهم ظُلَّةٌ كالسَّحابَةِ السَّوْداءِ، فَلَمّا رَأوْها ابْتَدَرُوا يَسْتَغِيثُونَ بِظِلِّها حَتّى إذا كانُوا جَمِيعًا أطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا ونَجّى اللَّهُ شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.