Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 26:25-51
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِرَبٍّ، وأنَّ الرَّبَّ في الحَقِيقَةِ هو هَذا، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ مِنهم ورَأى سُجُودَهم لِلَّهِ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم﴾ أيْ: بِغَيْرِ إذْنٍ مِنِّي، ثُمَّ قالَ مُغالِطًا لِلسَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا، ومُوهِمًا لِلنّاسِ أنَّ فِعْلَ مُوسى سِحْرٌ مِن جِنْسِ ذَلِكَ السِّحْرِ ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وإنَّما اعْتَرَفَ لَهُ بِكَوْنِهِ كَبِيرُهم مَعَ كَوْنِهِ لا يُحِبُّ الِاعْتِرافَ بِشَيْءٍ يَرْتَفِعُ بِهِ شَأْنُ مُوسى، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن حَضَرَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى أبْهَرُ مِمّا جاءَ بِهِ السَّحَرَةُ، فَأرادَ أنْ يُشَكِّكَ عَلى النّاسِ بِأنَّ هَذا الَّذِي شاهَدْتُمْ، وإنْ كانَ قَدْ فاقَ عَلى ما فَعَلَهُ هَؤُلاءِ السَّحَرَةُ فَهو فِعْلُ كَبِيرِهِمْ ومَن هو أُسْتاذُهُمُ الَّذِي أخَذُوا عَنْهُ هَذِهِ الصِّناعَةَ، فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ فِعْلٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّهُ مِن فِعْلِ الرَّبِّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى، ثُمَّ تَوَعَّدَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ لِما قَهَرَتْهم حُجَّةُ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أجْمَلَ التَّهْدِيدَ أوَّلًا لِلتَّهْوِيلِ، ثُمَّ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: لا ضَرَرَ عَلَيْنا فِيما يَلْحَقُنا مِن عِقابِ الدُّنْيا، فَإنَّ ذَلِكَ يَزُولُ ونَنْقَلِبُ بَعْدَهُ إلى رَبِّنا فَيُعْطِينا مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ ما لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ.