Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 26:3-24
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.