Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 25:61-67
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجُ النُّجُومِ أيْ: مَنازِلُها الِاثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: هي النُّجُومُ الكِبارُ، والأوَّلُ أوْلى. وسُمِّيَتْ بُرُوجًا، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِمَن يَسْكُنُها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ، وهو الظُّهُورُ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ أيْ شَمْسًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] قَرَأ الجُمْهُورُ سِراجًا بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ سُرُجًا بِالجَمْعِ أيِ: النُّجُومُ العِظامُ الوَّقّادَةُ، ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: في تَأْوِيلِ قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ الأرْضَ إذا طَلَعَ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قُمْرًا ) بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ المِيمِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ شاذَّةٌ.
﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخِلْفَةُ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ: اللَّيْلُ خِلْفَةٌ لِلنَّهارِ، والنَّهارُ خِلْفَةٌ لِلَّيْلِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي بَعْدَهُ، ومِنهُ خِلْفَةُ النَّباتِ، وهو ورَقٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الوَرَقِ الأوَّلِ في الصَّيْفِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:
؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ