Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 25:7-16
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
فَأُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذِهِ المَقالَةُ، والقائِلُ لَهم هُمُ المَلائِكَةُ أيِ: اتْرُكُوا دُعاءَ ثُبُورٍ واحِدٍ، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الهَلاكِ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ والثُّبُورُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ فَلِهَذا لَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُهُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا كَثِيرًا، وقَعَدَ قُعُودًا طَوِيلًا، فالكَثْرَةُ هاهُنا هي بِحَسَبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، لا بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ. والمَعْنى: لا تَدْعُوا عَلى أنْفُسِكم بِالثُّبُورِ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ لِطُولِ مُدَّتِهِ وعَدَمِ تَناهِيهِ، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم فِيهِ واحِدًا بَلْ هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ، والأوْلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الجَوابِ عَلَيْهِمُ الدِّلالَةُ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وإقْناطِهِمْ عَنْ حُصُولِ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي لَهم مِمّا هم فِيهِ، ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَوْبِيخًا بالِغًا عَلى لِسانِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى السَّعِيرِ المُتَّصِفَةِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ، أيْ: أتِلْكَ السَّعِيرُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ، وفي إضافَةِ الجَنَّةِ إلى الخُلْدِ إشْعارٌ بِدَوامِ نَعِيمِها وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، ومَعْنى ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ الَّتِي وُعِدَها المُتَّقُونَ، والمَجِيءُ بِلَفْظِ خَيْرٍ هُنا مَعَ أنَّهُ لا خَيْرَ في النّارِ أصْلًا، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تَقُولُ ذَلِكَ، ومِنهُ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهَ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ ؟ وقِيلَ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّفْضِيلِ، وإنَّما هو كَقَوْلِكَ: عِنْدَهُ خَيْرٌ.