Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 25:1-6
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَرَأ طَلْحَةُ ( اكْتُتِبَها ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: اكْتَتَبَها لَهُ كاتِبٌ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ اكْتَتَبَها إيّاهُ، ثُمَّ بَنى الفِعْلَ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ مَنصُوبًا بارِزًا، كَذا قالَ في الكَشّافِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ تُلْقى عَلَيْهِ تِلْكَ الأساطِيرُ بَعْدَ ما اكْتَتَبَها لِيَحْفَظَها مِن أفْواهِ مَن يُمْلِيها عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ المُكْتَتَبِ لِكَوْنِهِ أُمِيًّا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَقْرَأها مِن ذَلِكَ المَكْتُوبِ بِنَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى، اكْتَتَبَها: أرادَ اكْتِتابَها ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ لِأنَّهُ يُقالُ أُمْلِيَتْ عَلَيْهِ فَهو يَكْتُبُ بُكْرَةً وأصِيلًا (p-١٠٣٣)غَدْوَةً، وعَشِيًّا كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ يُعَلِّمُونَ مُحَمَّدًا طَرَفَيِ النَّهارِ، وقِيلَ: مَعْنى بُكَرَةً وأصِيلًا: دائِمًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ. فَأجابَ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُفْتَرى ويُفْتَعَلُ بِإعانَةِ قَوْمٍ وكِتابَةِ آخَرِينَ مِنَ الأحادِيثِ المُلَفَّقَةِ وأخْبارِ الأوَّلِينَ، بَلْ هو أمْرٌ سَماوِيٌّ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، فَلِهَذا عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ ولَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنهُ، وخُصَّ السِّرُّ لِلْإشارَةِ إلى انْطِواءِ ما أنْزَلَهُ سُبْحانَهُ عَلى أسْرارٍ بَدِيعَةٍ لا تَبْلُغُ إلَيْها عُقُولُ البَشَرِ، والسِّرُّ: الغَيْبُ أيْ: يَعْلَمُ الغَيْبَ الكائِنَ فِيهِما، وجُمْلَةُ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا تَعْلِيلٌ لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ أيْ: إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ لِما تَفْعَلُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِهِ والظُّلْمِ لَهُ، فَإنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْكم بِذَلِكَ لِأنَّهُ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.