Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 24:55-57
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْمُرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ طاعَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً بِخُلُوصِ اعْتِقادٍ وصِحَّةِ نِيَّةٍ، وهَذا التَّكْرِيرُ مِنهُ تَعالى لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الطّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ في حُكْمِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، وقِيلَ: إنَّهُما مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ نَهْيٌ بِطْرِيقِ الرَّدِّ والتَّوْبِيخِ، والثّانِي أمْرٌ بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ لَهم والإيجابِ عَلَيْهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ، وأصْلُهُ فَإنْ تَتَوَلَّوْا فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وفِيهِ رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الخِطابِ لَهم لِتَأْكِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ والمُبالَغَةِ في العِنايَةِ بِهِدايَتِهِمْ إلى الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما حُمِّلَ مِمّا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وقَدْ فَعَلَ، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ، وهو وعِيدٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ لَهم: فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ صِرْتُمْ حامِلِينَ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ تَهْتَدُوا إلى الحَقِّ وتَرْشُدُوا إلى الخَيْرِ وتَفُوزُوا بِالأجْرِ، وجُمْلَةُ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ فَيُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإمّا لِلْجِنْسِ فَيُرادُ كُلُّ رَسُولٍ، والبَلاغُ المُبِينُ: التَّبْلِيغُ الواضِحُ أوِ المُوَضَّحُ.