Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 24:32-34
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ العاجِزِينَ عَنِ النِّكاحِ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ إرْشادًا لَهم إلى ما هو الأوْلى فَقالَ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتَعَفَّ طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا أيْ: لِيَطْلُبَ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ نِكاحًا أيْ سَبَبَ نِكاحٍ، وهو المالُ.
وقِيلَ: النِّكاحُ هُنا ما تُنْكَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ كاللِّحافِ اسْمٌ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ، واللِّباسِ اسْمٌ لِما يُلْبَسُ، وقَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِتِلْكَ الغايَةِ، وهي ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يَرْزُقَهم رِزْقًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ ويَتَمَكَّنُونَ بِسَبَبِهِ مِنَ النِّكاحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى: وهي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِالمَشِيئَةِ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ لَوْ كانَ وعْدًا حَتْمًا لا مَحالَةَ في حُصُولِهِ لَكانَ الغِنى والزَّواجُ مُتَلازِمَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعْفافِ مَعَ الفَقْرِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ سَيُغْنى عِنْدَ تَزَوُّجِهِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ في تَزَوُّجِهِ مَعَ فَقْرِهِ تَحْصِيلٌ لِلْغِنى، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ لِلْعاجِزِ عَنْ تَحْصِيلِ مَبادِئِ النِّكاحِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ وُقُوعُ الغِنى لَهُ مِن بَعْدِ أنْ يَنْكِحَ، فَإنَّهُ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نِكاحًا إذا كانَ غَيْرَ واجِدٍ لِأسْبابِهِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ بِها، وأعْظَمُها المالُ.