Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 23:99-118
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ ) كَما في الآيَةِ الأُولى، وقَرَأ الباقُونَ قالَ عَلى الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ القِراءَتَيْنِ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الأرْضِ إلّا لُبْثًا قَلِيلًا ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمُ اليَوْمَ قِلَّةَ لُبْثِكم في الأرْضِ أوْ في القُبُورِ أوْ فِيهِما، فَكُلُّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى لُبْثِهِمْ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيرِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في مَواضِعَ أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا شَيْئًا فَحَسِبْتُمْ، وانْتِصابُ عَبَثًا عَلى الحالِ أيْ: عابِثِينَ، أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلْعَبَثِ.
قالَ بِالأوَّلِ سِيبَوَيْهِ وقُطْرُبُ، وبِالثّانِي أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَما خَلَقْناكم عَبَثًا، والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، يُقالُ عَبَثَ يَعْبَثُ عَبَثًا فَهو عابِثٌ أيْ: لاعِبٌ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِ عَبَثْتُ الأقِطَ أيْ: خَلَطْتُهُ، والمَعْنى: أفَحَسِبْتُمْ أنَّ خَلْقَنا لَكم لِلْإهْمالِ كَما خُلِقَتِ البَهائِمُ ولا ثَوابَ ولا عِقابَ، وأنَّكم إلَيْنا لا تَرْجِعُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَنُجازِيكم بِأعْمالِكم.