Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 23:42-56
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالأكْلِ مِنَ الطَّيِّباتِ أمَرَهم بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا وهو ما كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنهُ، وإنِّي مُجازِيكم عَلى حَسَبِ أعْمالِكم إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما خُوطِبَ بِهِ الأنْبِياءُ، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ مِلَّتَكم وشَرِيعَتَكم أيُّها الرُّسُلُ مِلَّةً واحِدَةً، وشَرِيعَةً مُتَّحِدَةً يَجْمَعُها أصْلٌ هو أعْظَمُ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ أنْبِياءَهُ وأنْزَلَ فِيهِ كُتُبَهُ، وهو دُعاءُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ لا شَرِيكَ لَهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو دِينُكم ومِلَّتُكم فالزَمُوهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ هُنا الدِّينُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَنَّ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
قُرِئَ بِكَسْرٍ ( إنَّ ) عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَرِّرِ لِما تَقَدَّمَهُ، وقُرِئَ بِفَتْحِها وتَشْدِيدِها.
قالَ الخَلِيلُ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِما زالَ الخافِضِ أيْ: أنا عالِمٌ بِأنَّ هَذا دِينَكُمُ الَّذِي أمَرْتُكم أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ.