Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 23:42-56
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ رُسُلَهُ كانُوا بَعْدَ هَذِهِ القُرُونِ مُتَواتِرِينَ، وأنَّ شَأْنَ أُمَمِهِمْ كانَ واحِدًا في التَّكْذِيبِ لَهم فَقالَ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمَعْنى أنَّ إرْسالَ كُلِّ رَسُولٍ مُتَأخِّرٌ عَنْ إنْشاءِ القَرْنِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ، لا عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ جَمِيعًا مُتَأخِّرٌ عَنْ إنْشاءِ تِلْكَ القُرُونِ جَمِيعًا، ومَعْنى ﴿تَتْرى﴾ تَتَواتَرُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ ويَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ. قالَ الأصْمَعِيُّ: واتَرْتُ كُتُبِي عَلَيْهِ: أتْبَعْتُ بَعْضَها بَعْضًا إلّا أنَّ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وبَيْنَ الآخَرِ مُهْلَةً. وقالَ غَيْرُهُ: المُتَواتِرَةُ المُتَتابِعَةُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عَمْرٍو ( تَتْرى ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. قالَ النَّحّاسُ: وعَلى هَذا يَجُوزُ ( تَتْرى ) بِكَسْرِ التّاءِ الأُولى؛ لِأنَّ مَعْنى ثُمَّ أرْسَلْنا: واتَرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُتَواتِرِينَ ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ التَّبْلِيغُ ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ في الهَلاكِ بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ الأحادِيثُ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وهي ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ كالأعاجِيبِ جَمْعُ أُعْجُوبَةٍ، وهي ما يَتَعَجَّبُ النّاسُ مِنهُ.