Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 22:25-29
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ