Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 22:25-29
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ.