Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 22:8-16
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: