Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 21:98-112
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ